محمد حسين علي الصغير

107

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) « 1 » . فالقلب هنا منجذب بعامل روحي ، فانفتح لتلقي التوبات وبذلها على فطرتها ، وسبيلها المطلوب ، كما تتفتح الأرض في المكان الرحب الفسيح ، والذروة المرتفعة العالية ، تباركها النسمات ، وتباكرها المزن ، فيتضاعف عطاؤها ، ويزكو ثمرها . فالصورة التشبيهية مستلة من طبيعة الأرض في قسوتها وبركتها في كلا الموضعين ، وممتزجة بعوامل المناخ في تقلباته وهباته ، ولكنها تترصد أيضا مناخ المرء في سلوكه ، وتتلبث طبيعة الإنفاق في أسلوبه ، فما كان جافا غليظا منهما شبه بمثله وهو الحجر الصلد ، وما جاء متفتحا متبرعما شبه بمثله ، وهو البقعة الطيبة في نشز من الأرض ، تغاديها السحب ، ويراوحها الغيث والندى « 2 » . ج - ويحاول التشبيه القرآني أن يقرب صورة تكالب الناس في الحياة الدنيا ، وتفاخرهم بما لا يبقى ، وتكاثرهم بما يفنى فتتمثل أمامه هيئة الغيث المنقطع عن الزرع بعد إنعاشه له لحظات ولمحات ، وإذا به يجف دون إنذار ، فيصفر الزرع ويتفتت نتيجة لعدم الموازنة في السقي والإرواء ، ليصبح حطاما تذروه الرياح ، وهشيما تتناقله الأجواء ، فبينا هو نبات يعجب الزارعين ، وإذا به هباء يتطاير من هنا وهناك ، والتشبيه يضع هذه الصورة في ملابساتها المتناقضة ، ومضاعفاتها غير المترقبة تجاه أمر الدنيا ، وحيال المعجبين بزخارفها ، والمكاثرين بأوضارها لتكون مثلا لقوله تعالى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً . . . « 3 » . من خلال ما تقدم قد أدركنا بعمق ظاهر التشبيه الفني في القرآن

--> ( 1 ) البقرة : 265 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 190 وما بعدها . ( 3 ) الحديد : 20 .